على مدى آلاف السنين، تعايش البشر مع الصمت أثناء سيرهم، أو انتظارهم، أو سفرهم، أو تأملهم في العالم. أما اليوم، فتبدو كل وقفة عابرة وكأنها تفرض إلهاءً فوريًا. لقد بدأ العلم يتساءل عما يحدث للدماغ، والذاكرة، والإبداع، والاستقرار العاطفي عندما تختفي تلك المساحات الصغيرة المخصصة لـ لقاء الذات.
بقلم إيهاب سلطان
HoyLunes – مشهد مألوف ندركه جميعًا: رجل ينتظر المصعد. يشير المؤشر الضوئي إلى الطابق الثالث، ثم الرابع. لن يستغرق وصوله سوى اثنتي عشرة ثانية تقريبًا.
هو لا ينتظر رسالة مصيرية، وليس لديه مكالمات فائتة، ولا يحتاج إلى تفقد الخريطة أو الطقس أو الأخبار العاجلة. ومع ذلك، تنزلق يده اليمنى بحركة لاإرادية تقريبًا نحو جيب بنطاله، ليخرج هاتفه، ويوقظ شاشة القفل، ويمرر إبهامه. إنه لا يبحث عن شيء محدد؛ بل يبحث فقط عما يملأ به الفراغ.
واليوم، باتت تلك الثواني الاثنتا عشرة الانتقالية تُفسَّر وكأنها خلل لا يُطاق، أو شرخ في تدفق التحفيز المستمر يجب معالجته فورًا. في أي لحظة بدأنا نشعر أن الانفراد بأنفسنا ليس سوى مضيعة للوقت؟
الصمت الذي اختفى دون أن يلحظه أحد
من دون كوارث كبرى، خاضت البشرية واحدة من أكثر التجارب الثقافية تطرفًا في تاريخها: إقصاء الأوقات البينية.
تقليديًا، كانت الحياة اليومية حافلة بفواصل غير مرئية؛ كانتظار الحافلة، أو الوقوف في طابور المخبز، أو السفر في عربة قطار مع تأمل المناظر الطبيعية، أو المشي إلى العمل، أو مراقبة المطر من خلف زجاج النافذة. لم تكن أي من تلك اللحظات تُدرج في جداول أعمالنا كـ “وقت إنتاجي”، لكنها لم تكن أوقاتًا ميتة أيضًا. لقد كانت في الواقع مساحات لتخفيف الضغط العقلي؛ ففي داخلها لم يكن يحدث شيء مرئي، لكن أشياء كثيرة غير مرئية كانت تتشكل.
ثمة فرق دقيق ولكنه جوهري بين مفهوم وقت الفراغ ومفهوم الوقت الداخلي. لقد استغللنا الأول واستنزفناه عبر الوصول الفوري إلى الترفيه والمعلومات، ولكننا في المقابل خنقنا الأخير. إن ما تلاشى ليس توفر الدقائق الحرة خارج أوقات العمل، بل القدرة على سكن عقولنا دون وسيط تكنولوجي.

الدماغ لا يخمل أبدًا
لعقود طويلة، افترض علم الأعصاب أنه عندما يتوقف المرء عن أداء مهمة محددة الأهداف — مثل حل مسألة رياضية أو صياغة تقرير — يدخل دماغه في حالة خمول أو “توفير للطاقة”. كم كنا مخطئين!
ففي أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين، كشفت دراسات التصوير العصبي الوظيفي عن ظاهرة مذهلة: عندما نتوقف عن التفاعل مع بيئتنا المادية أو الرقمية، تضيء شبكة مترابطة من مناطق الدماغ بنشاط أيضي هائل. وقد أطلق عليها العلماء اسم شبكة الوضع الافتراضي (DMN).
إن شبكة الوضع الافتراضي هي الورشة الداخلية التي يعيد الدماغ فيها ترتيب الحياة؛ ففيها تكتسب المحادثات المزعجة معناها، وتجد الخسارة مستقرها، وتتحول التجارب العابرة المنعزلة إلى جزء من تاريخنا الشخصي. وبعيدًا عن كونه خللًا في النظام، فإن هذا “اللاشيء” الظاهري هو الشرط البيولوجي الضروري لكي يمنح الدماغ معنى للتجارب، من خلال ترسيخ الذاكرة، والمعالجة الذاتية، والتنظيم العاطفي.
“يستغل الدماغ لحظات الراحة الظاهرية لترتيب الحياة من الداخل: فهو الشرط البيولوجي الضروري لمنح المعنى للتجربة”.
ماذا يحدث عندما تختفي هذه المساحات؟
عندما نعترض طريق كل بادرة ملل بشكل منهجي عبر التحفيز الرقمي، فإننا نحرم شبكة الوضع الافتراضي من الوقود الذي تحتاجه للتنشيط. وتكشف الأبحاث السريرية والمعرفية الآن عن أبعاد تتجاوز بكثير مجرد إجهاد العين الرقمي البسيط:
- تشتت الانتباه: من خلال تعويد الدماغ على دورات متلاحقة من التجديد والمكافأة السريعة، فإننا نرفع سقف التحفيز المطلوب للحفاظ على التركيز. والنتيجة ليست فقدان القدرة على الانتباه، بل تحوله إلى انتباه فرط التفاعل وسطحي.
- تدني القدرة على تحمل الملل: الملل هو المؤشر البيولوجي الذي يدفعنا للبحث عن المعنى. وعندما نقوم بقمعه اصطناعيًا عبر التمرير اللانهائي (Infinite Scroll)، يفقد الدماغ مرونة تحمل الفراغ، ويصبح عاجزًا عن صيانة عمليات التفكير المعقدة والعميقة.
- إجهاد فرط المعالجة: لا يرتاح العقل عند قراءة سلسلة من الآراء أو مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة؛ بل يستمر في معالجة البيانات، والوجوه، والكلمات، والمحفزات البصرية الدقيقة. وبإلغاء فواصل الاستيعاب، يتراكم في الدماغ عجز في المعالجة يترجم لاحقًا إلى تعب مزمن ومبهم.
- صعوبة استيعاب المشاعر: تتطلب المشاعر المعقدة — كالحزن، وخيبة الأمل، والشعور بالذنب، أو حتى مجرد الشك — وقتًا وهضماً عقلياً لفهمها. تحتاج المشاعر إلى الصمت، تمامًا كما تحتاج الجروح إلى الراحة. فبعض المشاعر لا تختفي بتجاهلها، بل تبقى كامنة في المأزق النفسي حتى نجد هدوءًا كافيًا لنستمع إليها.
“تحتاج المشاعر إلى الصمت، تمامًا كما تحتاج الجروح إلى الراحة. إذا لم نمنحها إياها، يصبح الألم مزمنًا”.
الإبداع يولد حيث ينتهي التشتت
إن تاريخ العلوم والفنون، إلى حد كبير، هو تاريخ اللحظات العادية العابرة. لم تتبلور مبادئ علم السوائل الساكنة لدى أرخميدس وهو أمام بردية من المعادلات، بل في حوض الاستحمام. وتوصل تشارلز داروين إلى بعض من أكثر اكتشافاته النظرية جرأةً وهو يسير في “درب التفكير” في حدائق منزله في داون.
لقد مرّ معظم الناس بتجربة مماثلة: تذكّر حلٍّ فجأةً أو ورود فكرة رائعة أثناء الاستحمام، أو المشي، أو خلال رحلة عمل روتينية. يُبيّن علم الأحياء العصبي أن الأفكار الأصيلة حقًا نادرًا ما تظهر تحت الضغط أو في ظلّ تشبع المعلومات. يعتمد التفكير الإبداعي على التفكير التبايني، وهي عملية تُغذّيها شبكة الوضع الافتراضي مباشرةً. لا تأتي أفضل الإجابات عادةً عندما نترك المجال حرّاً ليظهر الحل من تلقاء نفسه.
أطول علاقة في حياتنا
ثمة مفارقة مُقلقة في مجتمعنا المعاصر: فنحن نستثمر كميات هائلة من الوقت والموارد في رعاية علاقاتنا مع الأصدقاء، والشركاء، والمتابعين، وزملاء العمل، لكننا نهمل بشكل منهجي الرابطة الأكثر ديمومة في وجودنا.
إذا كان لنا أن نتعايش مع شخص ما دون انقطاع من المهد إلى اللحد، فهذا الشخص هو أنفسنا. ومن المفارقات أننا نعرف آراء الغرباء على الإنترنت أفضل من معرفتنا لبعض أفكارنا الخاصة. نخشى ضجيج شكوكنا الخلفي، ونفضل أي ضوضاء خارجية، مهما بدت تافهة، على مواجهة صدى أفكارنا. لقد أصبحنا غرباء نسكن الجسد نفسه، ونُدير تعايشنا عبر الشاشة.

ما بدأ المتخصصون بملاحظته
من العيادات النفسية إلى مختبرات علم النفس العصبي التطوري، يلاحظ المزيد من المتخصصين اتجاهات مماثلة؛ إذ يُبلغ أخصائيو الصحة النفسية عن زيادة ملحوظة في عدد المرضى الذين يعانون من انفصال عميق عن عملياتهم الداخلية، مما يُظهر نوعاً من الأمية التأملية.
لا يقتصر قلق المتخصصين على إجمالي وقت الشاشة، بل يتعداه إلى الإزاحة الوظيفية: أي الأنشطة الحيوية التي تلتهمها التكنولوجيا وتزيحها من حياتنا. يشير الإجماع الطبي الحالي إلى أن الصحة النفسية في القرن الحادي والعشرين لن تقتصر على إضافة علاجات، بل على الاستعادة البيئية لمساحات من الصيام المعرفي.
الأمر لا يتعلق بالتخلي عن التكنولوجيا
إن تبني موقف رافض للتكنولوجيا أو اقتراح عودة يوتوبية إلى عصر ما قبل الرقمية هو رد فعل كسول وعقيم. تكمن المشكلة الحقيقية ليس في الأداة نفسها، بل في الاستعمار المطلق الذي تفرضه على وقتنا. الهواتف الذكية أدوات استثنائية للتواصل والمعرفة والإدارة؛ وفي الواقع، يعتمد الكثير من الأبحاث التي تحذر من هذه التغيرات تحديدًا على تقنيات رقمية متقدمة لكي تتمكن من رصدها.
لا تقوم فرضية هذا التحليل على أن التكنولوجيا ضارة، بل على أن الدماغ البشري يعمل وفق إيقاعات الانقباض والانبساط: فهو يحتاج إلى مدخلات بيانات خارجية (Input)، ولكنه يتطلب معالجة داخلية (Processing) بنفس القدر من الإلحاح. إن إبقاء الدماغ في حالة استقبال دائم أمر غير مستدام، تمامًا كمحاولة استنشاق الهواء باستمرار دون زفير.
الاختبار الذي يمكن لأي شخص إجراؤه اليوم
للتحقق من صحة هذه الادعاءات، لا حاجة لتصميم تجربة سريرية عشوائية. يكفي أن نختبر قدرتنا على المقاومة الذهنية من خلال تجربة بسيطة ويومية.
في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها تنتظر المصعد، أو تقف في طابور دفع ثمن القهوة، أو تنتظر وصول الحافلة، خُض تحديًا غير مألوف: لا تُخرج هاتفك. تأمل محيطك، دع فكرةً تخطر ببالك، استحضر ذكرى، أو دع عقلك يسبح في الخيال لدقيقتين أو ثلاث. إذا شعرت بعدم الارتياح في أقل من دقيقة، فربما يكون هذا الشعور أكثر دلالة من أي نتيجة لاحقة. بمقاومة تلك الرغبة التلقائية الأولى، يعود الصوت الداخلي — ذلك الصوت الذي عادةً ما يبقى مدفونًا تحت ضجيج سيل البيانات — ليأخذ الكلمة من جديد.
يصل مؤشر الضوء أخيرًا إلى الطابق الحالي. يتوقف المصعد بصوت أزيز خفيف، وتنزلق الأبواب المعدنية مفتوحة على مصراعيها.
الرجل من الفقرة الأولى يضع هاتفه في جيبه قبل عبور العتبة. يدخل الكابينة ويستدير ويضغط على الزر للوصول إلى وجهته. تغلق الأبواب مرة أخرى وتعزله عن الممر.
لقد مرت اثنتا عشرة ثانية بالكاد. جزء ضئيل من الوقت، غير مهم من الناحية الرياضية خلال يوم واحد، ومن الواضح أنه غير كافٍ لتغيير مسار الحياة. ومع ذلك، ربما كانت الثورة الأكثر صمتًا في عصرنا لم تكن حمل جهاز كمبيوتر في جيوبنا، بل التوقف عن زيارة المكان الوحيد الذي لا يمكننا مغادرته أبدًا. كانت تلك الثواني الاثنتا عشرة كافية لتذكيرنا أنه في بعض الأحيان، يكون المكان الأكثر إلحاحًا وأولوية الذي يمكننا أن نختار أن نكون فيه هو، على وجه التحديد، داخل أفكارنا.